مصطفى مسلم
56
مباحث في إعجاز القرآن
حجره إذا منعه ، لأن المستعيذ طالب من اللّه أن يمنع المكروه فلا يلحقه ، فكان المعنى : أسأل اللّه أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا ، ومجيئه على فعل أو فعل في قراءة الحسن تصرف فيه لاختصاصه بموضع واحد كما كان قصدك وعمرك كذلك ، وأنشدت لبعض الرجاز : قالت وفيها حيدة وذعر * عوذ بربي منكم وحجر فإن قلت : فإذا ثبت أنه من باب المصادر فما معنى وصفه ب « محجورا » ، قلت : جاءت هذه الصفة لتأييد معنى الحجر ، كما قالوا ذيل ذائل والذيل الهوان ، وموت مائت . والمعنى في الآية أنهم يطلبون نزول الملائكة ويقترحونه ، وهم إذا رأوهم عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون ، وقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدو الموتور وشدة النازلة . وقيل هو من قول الملائكة ، ومعناه حراما محرّما عليكم الغفران والجنة والبشرى ، أي جعل اللّه ذلك حراما عليكم ) « 1 » . وفي قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 7 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 9 ) [ الشعراء : 7 - 9 ] ، يقول الزمخشري : ( وصف الزوج وهو الصنف من النبات بالكرم ، والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه ، ويقال وجه كريم إذا رضي في حسنه وجماله ، وكتاب كريم مرضي في معانيه وفوائده . وقال : حتى يشق الصفوف من كرمه أي من كونه مرضيّا في شجاعته وبأسه ، والنبات الكريم المرضي فيما يتعلق به من المنافع . إِنَّ فِي ذلِكَ إنبات تلك الأصناف لَآيَةً على أن منبتها قادر على إحياء الموتى ، وقد علم اللّه أن أكثرهم مطبوع على قلوبهم غير مرجّو إيمانهم . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في انتقامه من الكفرة الرَّحِيمُ لمن تاب وآمن وعمل صالحا .
--> ( 1 ) « الكشاف » للزمخشري ، 3 / 88 .